الفيض الكاشاني
170
الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )
كما يظهر عند التفتيش والاعتبار والاستقراء . ثمّ إنّ كلّ مادّة مصوّرة بصورة أدنى ، إذا انتقلت إلى أن تلبس صورة أعلى ، فذلك إنّما يكون بأن يحصل لها بصورتها الأولى شبه التعفّن والهضم والانكسار كالحبّة المدفونة في الأرض ، فما لم تضعف صورتها الجماديّة ولم تتعفّن باستيلاء الحرارة عليها لم تقبل صورة نباتيّة . وكذا القياس في انتقالات النطفة في أطوارها النباتيّة والحيوانيّة ، وهكذا الحكم في الترقيّات الواقعة في النفس ، فإنّها مسبوقة بانكسارات وانهضامات نفسانيّة ومنشؤها الحركات البدنيّة في « 1 » النسك الدينيّة والحركات الفكريّة في النسك العقليّة . والكلّ منوط بحركات الأفلاك والكواكب بأضوائها ، فالكمالات العلميّة والعمليّة للنفوس التي بها تحصل حياتها الأخرويّة ، وبها يتمّ نعيمها وغذاؤها وطعامها وشرابها في الجنّة ، إنّما تحصل بحرارة الطبيعة الدنيويّة . وكذلك النقصانات والانحرافات التي تحصل لنفوس أهل النار بالعرض ، فهذا العالم بمنزلة مطبخ ينضج فيه أطعمة أهل الجنّة وأهل النار ويصلح مأكولاتهم بحرارة الحركات السماويّة وأشعّة الكواكب ؛ فإنّ أعمال بني آدم هي موادّ أغذيتهم التي بها نشوء نفوسهم وأبدانهم الأخرويّة ، فكلّما كانت أعمال أهل الجنّة في هذه الدنيا أتمّ اعتدالًا وأكثر نضجاً من جهة الرياضات الدنيويّة والمتاعب البدنيّة في سبيل اللَّه ، كانت أغذيتهم وفواكههم وأشربتهم النفسانيّة الأخرويّة أوفق وأتمّ صلوحاً « 2 » وأشدّ تقوية للحياة الباقية . وكلّما كانت أعمال أهل النار هنا أشدّ انحرافاً عن العدالة ومنهج الشريعة ، كانت أغذيتهم وفواكههم وأشربتهم النفسانيّة الأخرويّة أشدّ إيلاماً وأكثر تعذيباً . وكما أنّ انحراف المزاج عن « 3 » الاعتدال في الطبيعة يورث حرارة الحمّى الشديدة ، كذلك الانحراف عن العدل في الأخلاق والأعمال والعلوم يورث حرارة نار جهنّم . وليس لنار جهنّم هذا الإشراق والتلؤلو الذي نراه في هذه النار الدنياويّة ؛ لأنّ هذه ليست ناراً محضة ، بل هي نار ونور . وأمّا النار المحضة ، فتمامها إنّها محرقة مؤذيّة نزّاعة . وقد تبيّن ممّا ذكرناه أنّ الجنّة والنار إنّما تنشآن من النفس الإنسانيّة ، وهما حالتان في موضوعها وحالتان لها ، وتحدثان لكلّ نفس بحدوثها وبلوغها سنّ التمييز ، وتعمران بأعمالها ومدركاتها
--> ( 1 ) - مط : و . ( 2 ) - مط : صلاحاً . ( 3 ) - مط : من .